عصام أبو القاسم (دبا الحصن)
افتتحت مساء أمس الأول بالمركز الثقافي لمدينة دبا الحصن فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان المسرح الثنائي الذي ينظم برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وتشرف عليه إدارة المسرح بدائرة الثقافة في الإمارة.
وحضر حفل الافتتاح الشيخ سعيد بن صقر القاسمي نائب رئيس مكتب سمو الحاكم في خورفكان، وأحمد بورحيمة مدير المهرجان، وأعضاء المجلس البلدي بدبا الحصن والعديد من الوجوه الفنية والثقافية المحلية والعربية. واستهل الحفل بتقديم المخرجين الخمسة المشاركين في هذه الدورة، وهم من الإمارات وفلسطين والكويت ومصر وسلطنة عمان، كما تم استعراض أبرز الفعاليات الفكرية والفنية التي ستقدم في المهرجان الذي سيختتم مساء يوم 3 مارس الجاري.
أما العرض الافتتاحي فقد سجل عودة بعد غياب ليس بالقصير للفنان الإماراتي حافظ أمان إلى الإخراج والتأليف المسرحي هو الذي برز ممثلاً على مدار العقود الثلاثة الماضية، ولفت الأنظار بطاقته الأدائية العالية التي يبدو أنه أرادها أن تنتقل للممثلين الاثنين في عرضه الجديد الذي جاء تحت عنوان «ما زال الثلج يسقط» متناولاً من خلاله حالة الانفصام التي يعيشها الإنسان العربي حين يترعرع خارج جغرافيته؛ فكل شيء في منظوره يتحول إلى صورة مزدوجة؛ فثمة وطن وهناك غربة، وهنا أمان وهناك حرب، وهنا حياة مرفهة وكريمة ولكن هناك «الروح والطعم والرائحة الحميمية».
في هذه الثنائيات يغرق الحوار بين الشقيقين عادل وجليل (عبدالرحمن المزيعل، عبدالله المهيري)، في بيت عائلتهما السيد سميث بارنز الذي تبناهما من قبل هيئة تعنى بعون اللاجئين، بعدما فقدا عائلتهما الحقيقية إثر حرب أهلية اجتاحت بلدهما، وجاء بهما صغاراً إلى مدينته الأوروبية وأنعم عليهما مما لديه.
جليل، كان عمره 16 سنة وكان عادل أصغر سناً، ما زال يعاني صدمة الحرب وهو مضطرب ولكن الأصغر سناً لا ذكريات دقيقة لديه عن أمهما ووالدهما وحتى بلادهما. يخبر الأول الموسيقى وهي بمثابة ملاذ بالنسبة له، يعدل من خلالها وجدانه المهتز ويجد في نغماتها ما يخفف عليه وطأة إحساسه بالاغتراب في المجتمع الذي لا يستلذ لا بطعامه ولا موسيقاه.
أما الأصغر سناً، فهو راقص، ويحب والده بالتبني السيد سميث، ويدافع عن كل ما يخص مجتمعه الأوروبي؛ إذن فهو في موقع الضد بالنسبة لشقيقه.
بنائياً استند العمل، على الحكايات التي يتناوب جليل وعادل في سردها، فكل واحد منهما يستنجد بقصة ما، حتى يؤكد وجهة نظره أو يفسر شعوره، وتُستكمل هذه الحكايات ببعض أشكال الأداء المتصلة بهواية كل واحد منهما، فالراقص يترجم انفعالاته مؤدياً جملة من الفواصل الراقصة، أما العازف فهو يهرول إلى جيتاره كلما توتر الحوار بينه وشقيقه، وثمة مرايا، توزعت في مساحة مثلثة فوق الخشبة ولقد استعان بها المخرج لتجسيم وتكثيف الحضور الجسدي للممثلين، كما وظف الجانب الخلفي منها للتعبير عن حالات الانتقال مكانياً وزمانياً.
كذلك عمد المخرج إلى توظيف المقاطع الموسيقية المسجلة، خاصة أغنية «أنا وشادي»، لفيروز، لتكون بمثابة معادل سمعي للحالة الوجدانية لجليل، فيما كان يجاري حالات عادل وتحولاته بمقاطع موسيقية غربية.
وبشكل مجمل، بدا العمل الذي قدمته فرقة مسرح خورفكان، على صعيد المضمون غنياً خاصة فيما احتواه من إحالات وتناصات، تدل على أن مؤلفه عاش تجربة صنعه في استغراق وصفاء ذهني؛ فثمة روايات وأفلام وأغنيات وتجارب متنوعة فيما يتصل بموضوع الهجرة والهوية والحرية، استعادها الكاتب وأدرجها على نحو سلس ومتناغم في ثنايا جدل الشقيقين، ويمكن القول إنها مثلت في حد ذاتها وجبة ثقافية ثرية.
هذا، وكان اليوم الأول من المهرجان شهد تقديم الورشة التدريبية الأولى التي جاءت تحت عنوان «تصميم الاستعراض في المسرح المدرسي».